إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ

عرض الدرس
إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
614 زائر
16-02-2012
الشيخ المهندس صلاح طه منزهي

إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ

(إِنّ الّذِينَ تَوَلّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنّمَا اسْتَزَلّهُمُ الشّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [سورة: آل عمران - الأية: 155]

قوله تعالى : " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " هذه الجملة هي خبر " إن الذين تولوا " والمراد من تولى عن المشركين يوم أحد ، عن عمر رضي الله عنه وغيره ،

السدي : يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل ، وقيل : هي في قوم بأعيانهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت هزيمتهم ثلاثة أيام ثم انصرفوا ومعنى " استزلهم الشيطان " استدعى زللهم بأن ذكرهم خطايا سلفت منهم ، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا وهو معنى " ببعض ما كسبوا " وقيل : ( استزلهم ) حملهم على الزلل ، وهو استفعل من الزلة وهي الخطيئة ، وقيل : زل وأزل بمعنى واحد ، ثم قيل : كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة ، فإنما تولوا لهذا ، وهذا على القول الأول ،

وعلى الثاني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز وميلهم إلى الغنيمة ، وقال الحسن : " ما كسبوا " قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم ، وقال الكلبي : زين لهم الشيطان أعمالهم ،

وقيل : لم يكن الانهزام معصية ، لأنهم أرادوا التحصن بالمدينة ، فيقطع العدو طمعه فيهم لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل ، ويجوز أن يقال : لم يسمعوا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للهول الذي كانوا فيه ، ويجوز أن يقال : زاد عدد العدو على الضعف ، لأنهم كانوا سبعمائة والعدو ثلاثة آلاف ، وعند هذا يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ لا يجوز ، ولعلهم توهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى الجبل أيضاً ، وأحسنها الأول ، وعلى الجملة فإن حمل الأمر على ذنب محقق فقد عفا الله عنه ،

وإن حمل على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة وزاد على لاقدر المسوغ ،

الجلالين

155 - (إن الذين تولوا منكم) عن القتال (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع الكفار بأحد وهم المسلمون إلا اثنى عشر رجلاً (إنما استزلهم) أزلهم (الشيطان) بوسوسته (ببعض ما كسبوا) من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي (ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور) للمؤمنين (حليم) لا يعجل على العصاة 0

ابن كثير

ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم فقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" أي عن إخوانهم "إذا ضربوا في الأرض" أي سافروا للتجارة ونحوها "أو كانوا غزى" أي كانوا في الغزو "لو كانوا عندنا" أي في البلد "ما ماتوا وما قتلوا" أي ما ماتوا في السفر وما قتلوا في الغزو

وقوله :

تعالى "ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم" أي خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم 0

ثم قال تعالى ردا عليهم "والله يحيي ويميت" أي بيده الخلق وإليه يرجع الأمر ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره "والله بما تعملون بصير" أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه لا يخفى عليه من أمورهم شيء.

(وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمّا يَجْمَعُونَ)

[سورة: آل عمران - الأية: 157]

تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه وذلك خير من البقاء في الدنيا وجميع حطامها الفاني.

الشوكانى

واللام في قوله "ولئن قتلتم" موطئة. وقوله "لمغفرة" جواب القسم ساد مسد جواب الشرط، والمعنى: أن السفر والغزو ليسا مما يجلب الموت ولئن وقع ذلك بأمر الله سبحانه "لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون" أي: الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم على قراءة من قرأ بالياء التحتية، أو خير مما تجمعون أيها المسلمون من الدنيا ومنافعها على قراءة من قرأ بالفوقية. والمقصود في الآية بيان مزية القتل أو الموت في سبيل الله وزيادة تأثيرهما في استجلاب المغفرة والرحمة.

(وَلَئِنْ مّتّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ)

[ الأية: 158]

"ولئن متم أو قتلتم" على أي وجه حسب تعلق الإرادة الإلهية 0

"لإلى الله تحشرون" أي إلى الرب الواسع المغفرة تحشرون لا إلى غيره كما يفيده تقديم الظرف على الفعل مع ما في تخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كما اللطف والقهر.

ابن كثير

ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل فيجزيه بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقال تعالى "ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون".

ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل فيجزيه بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقال تعالى "ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون". ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل فيجزيه بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقال تعالى "ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون".

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكّلِينَ)[ الأية: 159]

يقول تعالى مخاطبا رسوله ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه "فبما رحمة من الله لنت لهم" أي بأي شيء جعلك الله لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم. وقال قتادة "فبما رحمة من الله لنت لهم" يقول: فبرحمة من الله لنت لهم وما صلة والعرب تصلها بالمعرفة كقوله "فبما نقضهم ميثاقهم" وبالنكرة كقوله "عما قليل" وهكذا ههنا قال "فبما رحمة من الله لنت لهم" أي برحمة من الله.

وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم"

ثم قال تعالى "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" والفظ الغليظ المراد به ههنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك "غليظ القلب" أي لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم

كما قال عبدالله بن عمرو إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح. وقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي أنبأنا بشر بن عبيد حدثنا عمار بن عبدالرحمن عن المسعودي عن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض" حديث غريب. ولهذا قال تعالى "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر". ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه

شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن نقول اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون.

وشاورهم أيضا أين يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم.

وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم.

وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك.

وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؟ فقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال: وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك "أشيروا عليَّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم وايم الله ما علمت على أهلي من

سوء وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرا" واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها

فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها0

وقد اختلف الفقهاء هل كان واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين0

وقد روى الحاكم في مستدركه: عن ابن عباس في قوله تعالى "وشاورهم في الأمر" قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه

وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين.

وقد روى الإمام أحمد: عن عبدالرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما".

وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم؟ فقال "مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم".

وقال ابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "المستشار مؤتمن".

ورواه أبو داود والترمذي وحسنه النسائي من حديث عبدالملك بأبسط من هذا.

وقال أيضا ح عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه" تفرد به أيضا

وقوله تعالى "فإذا عزمت فتوكل على الله" أي إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه "إن الله يحب المتوكلين".

القرطبى

معنى الآية : أنه عليه السلام لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه ،

" لنت " من لان يلين ولياناً بالفتح ، والفظ الغليظ الجافي .

فظظت تفظ فظاظة وفظاظاً فأنت فظ ، والأنثى فظة والجمع أفظاظ ،

ومعنى " لانفضوا " لتفرقوا ، فضضتهم فانفضوا ، أي فرقتهم فتقرقوا ،

وأصل الفض الكسر ، ومنه قولهم : لا يفضض الله فاك ،

والمعنى : يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم .

قوله تعالى : " فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر"

فيه ثمان مسائل .

الأولى : قال العلماء : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة 0

فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضاً0 فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور 0

قال أهل اللغة ، الاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجري أو غيره ، ويقال للموضع الذي تركض فيه : مشوار ، وقد يكون من قولهم : شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته من موضعه 0

الثانية : قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، هذا ما لا خلاف فيه ، وقد مدح الله المؤمنين بقوله : " وأمرهم شورى بينهم " [ الشورى : 38 ] 0

قال أعرابي : ما غبنت قط حتى يغبن قومي ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم 0

وقال ابن خويز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ،

وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ،

ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ،

ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ،

ووجوه الكتاب والوزراءوالعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها

وكان يقال : ما ندم من استشار وكان يقال : من أعجب برأيه ضل .

الثالثة : قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي ، فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك 0

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه أصحابه ،

فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحروب ،

وعند لقاء العدو ،

وتطييباً لنفوسهم ،

ورفعاً لأقدارهم ،

وتألفاً على دينهم ،

وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه ، روي هذا عن قتادة و الربيع و ابن إسحاق و الشافعي ،

قال الشافعي : هو كقوله : والبكر تستأمر ، تطيباً لقلبها ، لا أنه واجب ،

وقال مقاتل و قتادة و الربيع : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم ، فأمر الله تعالى ، نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الأمر : فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، وأطيب لنفوسهم ، فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم ،

وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحي ، روي ذلك عن الحسن البصري و الضحاك

قالا : ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ، ولتقتدي به أمته من بعده ،

ولقد أحسن القائل :

شاور صديقك في الخفي المشكل **** واقبل نصيحة ناصح متفضل

فالله قد أوصى بذاك نبيه في قوله : ( شاورهم ) و ( توكل )

الرابعة : جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المستشار مؤتمن " قال العلماء : وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً ديناً ، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل ، قال الحسن : ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله ، فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه ، قاله الخطابي وغيره 0

الخامسة : وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير

قال : شاور صديقك في الخفي المشكل **** واقبل نصيحة ناصح متفضل

وقال آخر :

إذا كنت فى حاجة مرسلاً *** فأرسل حكيماً ولاتوصه

وإن باب أمر عليك التوى *** فشاور لبيباً ولا تعصه

والشورى بركة ، وقال عليه السلام : " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار "،

وروى سهل بن سعد الساعدي " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي " ،

وقال بعضهم : شاور من جرب الأمور ، فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالباً وأنت تأخذه مجاناً ،

وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة ، وهي أعظم النوازل شورى ،

قال البخاري : وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ،

وقال سفيان الثوري : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ، ومن يخشى الله تعالى 0

وقال الحسن : والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم0

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم " .

السادسة : والشورى مبنية على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولاً إلى الكتاب إن أمكنه ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلاً عليه ، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب ، وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية .

السابعة : قوله تعالى : " فإذا عزمت فتوكل على الله "

قال قتادة : أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله ، لا على مشاورتهم ،والعزم هو الأمر المروي المنقح ، وليس ركوب الرأي دون روية عزماً ، إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب 0

كما قال :

إذا هم ألقى بين عينيه عزمـــــه *** ونكب عن ذكر العواقب جانبـــــا

ولم يستشر في رأيه غير نفســه *** ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا

، قال ابن عطية : فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه ،

والعزم قصد الإمضاء ،

والله تعالى يقول : " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت " فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم ، والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم 0

قال المهلب ، وامتثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ربه فقال : " لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله "، أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ، لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة ، ، فلبس لأمته حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه ، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر : يا رسول الله أخرج بنا إلى عدونا ، دال على العزيمة وكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود 0

وكذلك عبد الله بن أبي أشار بذلك وقال : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس ، فإن هم أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السكك ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام ، فوالله ما حاربنا قط عدو في المدينة إلا غلبناه ، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا ، وأبى هذا الرأي من ذكرنا ، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه ، فندم أولئك القوم وقالوا : أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج عليهم في صلاحه قالوا : يا رسول الله ، أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا بنبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل " .

الثامنة : قوله تعالى : " فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين "

التوكل : الاعتماد على الله مع إظهار العجز ، والاسم التكلان ، يقال منه : اتكلت عليه في أمري ، وأصله : ( أوتكلت ) قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال ، ويقال : وكلته بأمري توكيلاً ، والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها .

واختلف العلماء في التوكل ، فقالت طائفة من المتصوفة : لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره ، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى ، وقال عامة الفقهاء ، ما تقدم ذكره عند قوله تعالى : " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " وهو الصحيح كما بيناه ،

وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله:" لا تخافا " [ طه : 46 ] ،

وقال : " فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف " [ طه : 67 - 68 ] ،

وأخبر عن إبراهيم بقوله : " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " [ هود : 70 ] ،

فإذا كان الخليل وموسى الكليم قد خافا وحسبك بهما فغيرهما أولى ، وسيأتي بيان هذا المعنى .

جاء فى تفسير قوله تعالى: (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [سورة: آل عمران - الأية: 122]

وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لا بد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب، فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم. ثم المتوكلون على حالين: الأول حال المتمكن في التوكل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر. الثاني- حال غير المتمكن وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، والأذواق الحالية، فلا يزال كذلك إلى أن يرقيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين.

   طباعة 
0 صوت
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
6 + 4 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
جديد الدروس
جديد الدروس

Warning: mysql_fetch_row() expects parameter 1 to be resource, boolean given in /home/manzahy/public_html/play.php on line 0

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

احصائيات الموقع
جميع المواد : 3093
عدد التلاوات : 64
عدد المحاضرات : 200
عدد المقالات : 1
عدد الفلاشات : 86
عدد الكتب : 0
عدد الفلاشات : 86
عدد المواقع : 735
عدد الصور : 103
عدد التواقيع : 109
عدد الاناشيد : 265
عدد التعليقات : 9
عدد المشاركات : 3
احصائيات الزوار
احصائيات الموقع
لهذا اليوم : 753
بالامس : 778
لهذا الأسبوع : 4849
لهذا الشهر : 18280
لهذه السنة : 81590
منذ البدء : 92013
تاريخ بدء الإحصائيات: 12-10-2011 م
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار
انت الزائر :18090
[يتصفح الموقع حالياً [ 24
الاعضاء :0الزوار :24
تفاصيل المتواجدون
Powered by: MktbaGold 6.5